وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، يواجه أكثر من ثلث سكان العالم شحاً في المياه؛ وعليه، فإن النقص العالمي في موارد المياه العذبة يؤثر تأثيراً بالغاً في التنمية المجتمعية البشرية. وفي ظل هذا السياق، دفع الاحتياج الملح للمياه العذبة لدى سكان المناطق الساحلية القاحلة وشحيحة المياه إلى تسارع وتيرة تطوير تقنيات تحلية مياه البحر. فمن خلال أنظمة تحلية المياه بالتناضح العكسي (RO)، يمكن تحويل مياه البحر المالحة إلى مياه عذبة صالحة للاستخدام.
ما هي مكونات نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي؟
يتكون نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي (RO) —كامل الوظائف— بشكل أساسي من ثلاثة أجزاء رئيسية: المعالجة الأولية، ووحدة التناضح العكسي، والمعالجة اللاحقة؛ وتؤدي كل مرحلة منها دوراً لا غنى عنه.
تستخدم مرحلة المعالجة الأولية تقنياتٍ راسخةً، مثل الترشيح بالرمل الكوارتزي والامتزاز بالكربون المنشط، لإزالة جزيئات الغرين والمواد الغروية والملوثات العضوية من مياه البحر؛ مما يحول دون حدوث الترسّب أو الانسداد في وحدات الأغشية اللاحقة.
② تُعد وحدة التناضح العكسي بمثابة "منطقة القوة المحورية" في النظام؛ حيث تعمل مضخات الضغط العالي على رفع ضغط مياه البحر إلى ما يتراوح بين 6 و8 ميجاباسكال، مما يوفر الطاقة اللازمة لعملية التناضح العكسي. وتقوم وحدات الأغشية بفصل جزيئات الماء عن الشوائب.
③ تعمل مرحلة المعالجة اللاحقة على تحسين مذاق المياه من خلال ضبط قيمة الأس الهيدروجيني (pH) وإضافة المعادن المناسبة، مما يضمن استيفاء المياه الخارجة النهائية لمعايير مياه الشرب.
مقارنةً بالتقطير، ما هي الفروق بينه وبين نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي؟
أولاً، يختلف التناضح العكسي والتقطير التقليدي اختلافاً جوهرياً في قواهما الدافعة الأساسية وإجراءات المعالجة الخاصة بهما لتحلية مياه البحر.
نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي (RO): يعمل هذا النظام بالاعتماد على الضغط (حيث يتم رفع الضغط إلى مستوى يتراوح بين 6 و8 ميجاباسكال بواسطة مضخة عالية الضغط)، ويستخدم غشاءً شبه منفذ يتميز بمسام دقيقة للغاية يبلغ حجمها 0.1 نانومتر؛ وذلك لاحتجاز أيونات الأملاح والملوثات، مما يسمح لجزيئات الماء وحدها بالنفاذ عبر الغشاء، وبالتالي تحقيق عملية الفصل. مراحل العملية: المعالجة الأولية (إزالة الشوائب باستخدام رمل الكوارتز/الكربون المنشط) ← رفع الضغط بواسطة المضخة عالية الضغط ← الفصل عبر وحدة الغشاء (نفاذ جزيئات الماء واحتجاز الشوائب) ← المعالجة اللاحقة (ضبط درجة الحموضة/إعادة تزويد المياه بالمعادن).
التقطير: تعتمد هذه العملية على الطاقة الحرارية لتسخين مياه البحر حتى تصل إلى درجة الغليان، مما يؤدي إلى تبخيرها؛ وتستفيد من الفارق في درجات الغليان بين الماء والأملاح لإتمام عملية الفصل. خطوات العملية: التسخين المسبق لمياه البحر ← التسخين حتى درجة الغليان ← تكثيف البخار ليتحول إلى مياه عذبة سائلة ← التجميع.
ثانياً، بالمقارنة مع تقنية تحلية مياه البحر التقليدية القائمة على التقطير، تقنية التناضح العكسي يوفر وفورات كبيرة في الطاقة.
تتطلب عملية التقطير تسخين مياه البحر حتى درجة الغليان، مما يؤدي إلى تكاليف طاقة مرتفعة للغاية؛ أما التناضح العكسي، من ناحية أخرى، فيستخدم الضغط فقط لإتمام عملية الفصل، مستهلكاً بذلك أقل من ربع الطاقة التي تستهلكها عملية التقطير.
لا تتمتع أغشية التناضح العكسي بخصائص أقوى لمقاومة التلوث فحسب، بل امتد عمرها الافتراضي أيضاً من 2-3 سنوات في السابق إلى ما يزيد عن 5 سنوات، مما يقلل بشكل كبير من تكاليف صيانة النظام.
في الوقت الراهن، تُعد محطة الجبيل لتحلية المياه في المملكة العربية السعودية أكبر محطة لتحلية المياه بالتناضح العكسي في العالم؛ إذ يمكنها إنتاج 1.4 مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً، مما يوفر ضماناً راسخاً لتلبية احتياجات الملايين من البشر من المياه، سواء للأغراض الإنتاجية أو الاستخدامات المنزلية.
ما هي عيوب نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي؟
على الرغم من مزاياها الكبيرة، لا يزال نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي يواجه العديد من التحديات المُلِحّة.
على سبيل المثال، قد يؤثر التصريف المباشر للمركّز عالي الملوحة - الناتج عن عمليات تحلية المياه - تأثيراً سلبياً في النظام البيئي البحري القريب من الساحل. وفي الوقت الراهن، نجحت الصناعة في التخفيف من حدة هذه المشكلة إلى حدٍ ما، وذلك من خلال اتباع أساليب مثل تخفيف تركيز المركّز وتصريفه، وإعادة تدويره بالاقتران مع الصناعات الكيميائية القائمة على الأملاح.
علاوةً على ذلك، ففي المناطق التي تُشكّل فيها الوقود الأحفوري المصدر الأساسي للكهرباء، يُولّد تشغيل النظام انبعاثاتٍ كربونيةً بصورةٍ غير مباشرة. وعليه، تعمل المؤسسات البحثية المحلية والدولية بنشاطٍ على تعزيز التكامل بين الأنظمة الكهروضوئية وتحلية مياه البحر، وذلك من خلال توظيف الطاقة الشمسية النظيفة لتشغيل النظام، مما يُحقق تآزراً أخضر يجمع بين تنمية الموارد المائية واستغلال الطاقة.
تلخيص
يُستخدم نظام تحلية المياه بالتناضح العكسي على نطاق واسع في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا وبيرو، محليًا ودوليًا. ومع التطور المستمر في تكنولوجيا مواد الأغشية، لن يقتصر دور هذا النظام على تعزيز أمن إمدادات المياه فحسب، بل سيوفر أيضًا خدمات إمداد مستقرة وموثوقة بالمياه العذبة في حالات خاصة، مثل الجزر النائية والسفن العابرة للمحيطات، وذلك بالاعتماد على معدات متنقلة مُعبأة في حاويات.



